محمد بن جرير الطبري

497

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فذكر عن المدائني ان الجند لما شغبوا ، وانحاز طاهر ، ركب اليه سعيد ابن مالك بن قادم ومحمد بن أبي خالد وهبيرة بن خازم ، في مشيخه من أهل الارباض ، فحلفوا بالمغلظه من الايمان ، انه لم يتحرك في هذه الأيام أحد من أبناء الارباض ، ولا كان ذلك عن رأيهم ، ولا أرادوه ، وضمنوا له صلاح نواحيهم من الارباض ، وقيام كل انسان منهم في ناحيته بكل ما يجب عليه ، حتى لا يأتيه من ناحية امر يكرهه وأتاه عميرة - أبو شيخ بن عميرة الأسدي - وعلى ابن يزيد ، في مشيخه من الأبناء ، فلقوه بمثل ما لقيه به ابن أبي خالد وسعيد ابن مالك وهبيرة ، واعلموه حسن رأى من خلفهم من الأبناء ولين طاعتهم له ، وانهم لم يدخلوا في شيء مما صنع أصحابه في البستان فطابت نفسه الا أنه قال لهم : ان القوم يطلبون أرزاقهم ، وليس عندي مال فضمن لهم سعيد ابن مالك عشرين ألف دينار ، وحملها اليه ، فطابت بها نفسه ، وانصرف إلى معسكره بالبستان وقال طاهر لسعيد : انى اقبلها منك على أن تكون على دينا ، فقال له : بل هي انما صله وقليل لغلامك وفيما أوجب الله من حقك . فقبلها منه ، وامر للجند برزق أربعة اشهر ، فرضوا وسكنوا . قال المدائني : وكان مع محمد رجل يقال له السمرقندي ، وكان يرمى عن مجانيق كانت في سفن من باطن دجلة ، وربما كان يشتد امر أهل الارباض على من بإزائهم من أصحاب محمد في الخنادق ، فكان يبعث اليه ، فيجيء به فيرميهم - وكان راميا لم يكن حجره يخطئ - ولم يقتل الناس يومئذ بالحجارة كما قيل ، فلما قتل محمد قطع الجسر ، وأحرقت المجانيق التي كانت في دجلة يرمى عنها ، فاشفق على نفسه ، وتخوف من بعض من وتره ان يطلبه ، فاستخفى ، وطلبه الناس ، فتكارى بغلا ، وخرج إلى ناحية خراسان هاربا ، فمضى حتى إذا كان في بعض الطريق استقبله رجل فعرفه ، فلما جازه قال الرجل للمكارى : ويحك ! اين تذهب مع هذا الرجل ! والله لئن ظفر بك معه لتقتلن ، وأهون ما هو مصيبك ان تحبس ، قال : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ! قد والله عرفت اسمه ، وسمعت به قتله الله ! فانطلق المكارى إلى أصحابه - أو مسلحه انتهى إليها - فأخبرهم خبره ، وكانوا من أصحاب كند غوش من أصحاب هرثمة ،